الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

44

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عند حصول أسبابه وهي المشار إليها بقوله : أَمَرْنا مُتْرَفِيها إلى آخره . ومتعلق أَمَرْنا محذوف ، أي أمرناهم بما نأمرهم به ، أي بعثنا إليهم الرسول وأمرناهم بما نأمرهم على لسان رسولهم فعصوا الرسول وفسقوا في قريتهم . واعلم أن تصدير هذه الجملة ب ( إذا ) أوجب استغلاق المعنى في الربط بين جملة شرط ( إذا ) وجملة جوابه ، لأن شأن ( إذا ) أن تكون ظرفا للمستقبل وتتضمن معنى الشرط أي الربط بين جملتيها . فاقتضى ظاهر موقع ( إذا ) أن قوله : أَمَرْنا مُتْرَفِيها هو جواب ( إذا ) فيقتضي أن إرادة اللّه إهلاكها سابقة على حصول أمر المترفين سبق الشرط لجوابه ، فيقتضي ذلك أن إرادة اللّه تتعلق بإهلاك القرية ابتداء فيأمر اللّه مترفي أهل القرية فيفسقوا فيها فيحق عليها القول الذي هو مظهر إرادة اللّه إهلاكهم ، مع أن مجرى العقل يقتضي أن يكون فسوق أهل القرية وكفرهم هو سبب وقوع إرادة اللّه إهلاكهم ، وأن اللّه لا تتعلق إرادته بإهلاك قوم إلا بعد أن يصدر منهم ما توعدهم عليه لا العكس . وليس من شأن اللّه أن يريد إهلاكهم قبل أن يأتوا بما يسببه ، ولا من الحكمة أن يسوقهم إلى ما يفضي إلى مؤاخذتهم ليحقق سببا لإهلاكهم . وقرينة السياق واضحة في هذا ، فبنا أن نجعل الواو عاطفة فعل أَمَرْنا مُتْرَفِيها على نَبْعَثَ رَسُولًا فإن الأفعال يعطف بعضها على بعض سواء اتحدت في اللوازم أم اختلفت ، فيكون أصل نظم الكلام هكذا : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ونأمر مترفي قرية بما نأمرهم به على لسان الرسول فيفسقوا عن أمرنا فيحق عليهم الوعيد فنهلكهم إذا أردنا إهلاكهم . فكان وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً شريطة لحصول الإهلاك ، أي ذلك بمشيئة اللّه ولا مكره له ، كم دلت عليه آيات كثيرة كقوله : أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [ آل عمران : 127 - 128 ] وقوله : أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ [ الأعراف : 100 ] وقوله : وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا [ الإنسان : 28 ] وقوله : عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [ الإسراء : 18 ] . فذكر شريطة المشيئة مرتين . وإنما عدل عن نظم الكلام بهذا الأسلوب إلى الأسلوب الذي جاءت به الآية لإدماج التعريض بتهديد أهل مكة بأنهم معرضون لمثل هذا مما حل بأهل القرى التي كذبت رسل اللّه .